لماذا ثلاثة علوم؟ وكيف نشأت؟
لا يتعلق الأمر بعدد معين، فهذه العلوم لم تكن موجودة حتى نتخير منها ما نريد، إنما هي طبيعة الأمور ومجرياتها التي تطلبت ذلك، لتكون متوافقة مع الغايات القرآنية الرفيعة، ولتستطيع التماشي مع المتطلبات الدقيقة لطبيعة النص القرآني العظيم وتلبيتها.
وللتوضيح أكثر، فإننا عندما نتعمق في التطبيقات الصوتية للأعمال الصوتية المكانية في الواقع، مثل الألعاب والأفلام والأغاني، نجد أنها توظف التقنية بناءً على اعتبارات مزاجية وجمالية هدفها التأثير والإبهار للمتابعين، وهي غير منضبطة بمبادئ محكمة أو مكتوبة، أي أنها اعتبارات مختلفة تمامًا عما نريده ونتطلع إليه.
ومع معرفتي وتجربتي الشخصية في النظام الصوتي المكاني وتطبيقاته، وجدت أن تلك المحاكاة لن تصلح أبدًا أن تُنقل كما هي لغايات القرآن الكريم، لأن بناء النظام الصوتي القرآني لا يجب أن يُبنى على اعتبارات مزاجية وجمالية هدفها التأثير والإبهار. فالقرآن ليس عرضًا مسرحيًا، ولا أنزل ليكون عملًا فنيًا، ولا يوجد في التلاوات القرآنية ما هو غير منضبط أو من دون مبادئ دقيقة.
وهذا يعني وجوب بذل جهود حثيثة في البحث والدراسة والعمل الجاد، والرؤية الموضوعية الدقيقة.
نشأة علم الصوت القرآني الحديث
لقد استخلصنا من الدراسات والأبحاث التي أجريناها، ومعرفة حيثيات الاختلاف والخصوصية والقداسة للنص القرآني، ضرورة ابتكار علم صوتي قرآني خاص، يراعي متطلبات النص القرآني الكثيرة والعميقة والدقيقة. وتوصلنا بفضل الله وحده إلى العديد من الابتكارات والمزايا العظيمة، ولغايات القرآن وحده، نذكر بعضًا منها على سبيل المثال لا الحصر:
- نظام التباين الصوتي
- نظام السيادة الصوتية
- مقامات المتكلمين
- مقامات الأماكن في الفراغ المكاني
- قواعد التسجيل الذهبية
- نظام التقاط الصوت الإسلامي
وكانت دراسة الأبعاد لهذا العمل قد تمت بشكل علمي وحكيم، تضع القواعد العامة وتؤصل للعديد من المبادئ والأحكام التي يجب أن تحدد العمل ككل وتحكمه، وهذا هو دور علم الصوت القرآني الحديث، الذي يشرف على كل العمل ويديره.
نشأة علم تحليل النص القرآني الصوتي الحديث
طبيعة النظم القرآني
فالنص القرآني ذو نظم لغوي بالغ الدقة والجزالة والإعجاز، يحتاج في كل آية إلى دراسة وتحليل من عدة جوانب، وليس من اختصاص واحد، بل من عدة اختصاصات، مثل:
- علماء اللغة العربية: ركن رئيس في تحليل النص الصوتي للقرآن، وفهم اللغة والنحو والصرف.
- علماء التفسير: فهم الآيات وأسباب نزولها، ومعرفة تفسيرها، هو ركن رئيسي آخر.
- علماء القراءات القرآنية: خبراء التلاوة وأحكام التجويد ومخارج الحروف والضبط الدقيق وأوجه القراءة، ركن رئيسي آخر لا بد منه.
- علماء الدلالة: الذين يكشفون عن دلالات الألفاظ والتراكيب والسياقات القرآنية، وكيفية استنباط المعاني منها.
- عالم بالهندسة الصوتية الحديثة: الذي يعرف ما يمكن توظيفه هندسيًا وما لا يمكن توظيفه، وحيثيات التحليل صوتيًا.
كل هذا تطلب إيجاد علم جديد هو علم تحليل النص القرآني الصوتي الحديث، الذي يُعنى بتحليل النص الصوتي لجميع آيات القرآن الكريم، وهي (٦٢٣٦ آية)، وهذا عمل كبير.
منهجية دقيقة وموثقة
لقد قمنا باعتماد منهجية دقيقة وموثقة لعلم تحليل النص القرآني الصوتي الحديث، يتم فيها التحليل مع احترام التخصص، والتوثيق لأسباب التحليل بشكل شفاف واضح، مبني على تحليل علمي وواقعي، ليس فيه أسرار أو خفايا أو ما هو مبني على مهارة فردية نادرة. كل شيء يجب أن يكون واضحًا ومفهومًا، لأن هذا العمل يؤسس قاعدة علمية تحلل النص الصوتي للقرآن للأمة الإسلامية جميعها.
اللغة المشتركة
من الأمور التي فرضت نفسها على النظام، ضرورة إيجاد لغة مشتركة بين شكل التحليل الصوتي للنص القرآني ومهندسي الصوت.
فمن الطبيعي أن يكون شكل التحليل الصوتي للنص القرآني مكتوبًا بلغة علماء اللغة والتفسير والقراءات، أي لغة يصعب على مهندسي الصوت فهمها وتحليلها بسهولة، وهذا طبيعي.
لذلك، ضمنَّا نظام كتابة التحليل الصوتي لتكون مخرجاته، ضمن برامج رقمية ذكية، مكتوبة بلغة مشتركة، وبطريقة واضحة وسهلة، يسهل فهمها واستيعابها من قبل مهندسي الصوت، ومنظمة بطريقة مريحة، ويسهل فهمها لعامة الناس مع قليل من التدريب.
نشأة علم هندسة الصوت القرآني الحديث
إن المشاهدة العملية العادية في عملية تسجيل التلاوة القرآنية في استوديوهات الصوت، تظهر بوضوح أنها محاكاة تامة لعملية تسجيل الأغاني أو التعليق على البرامج الوثائقية مثلًا. ولا يوجد فيها أي ابتكار أو تطوير أو تخصيص لغايات القرآن العظيمة، وكل النص القرآني يُعامل معاملة واحدة في التسجيل والمعالجة.
وهذا خطأ من وجهة نظري، لأن كل آية في القرآن هي وحدة خطابية كاملة، ولكل آية معانٍ ودلائل ورسائل خاصة بها. لذلك يجب أن يكون لكل آية تحليلها الصوتي وهندستها الصوتية الخاصة بها.
وبفضل الله تعالى تمكنا من الوصول إلى تصور عميق ودقيق لهذا العلم، بحيث نستطيع أن نقول إنا نوظف تقنية الصوت المكاني للقرآن أفضل وأدق وأعمق توظيف في جميع الأنظمة الصوتية العالمية. حتى أننا جعلنا هذه التقنية وسخرناها لتكون أداة تجعل الصوت يشرح معنى الآية، وأوجدنا مبادئ وآليات وأنظمة جديدة مبتكرة ومتفوقة، خاصة وحصرية لتسجيل الصوت القرآني.
يلتزم هذا العلم بتطبيق التحليل الصوتي للآيات القرآنية في استوديوهات الصوت الخاصة.
فنحن نتطلع إلى وجود علم هندسي صوتي خاص للقرآن الكريم، يتفهم حاجاته ويلبي متطلباته، علمًا مكتوبًا مكتمل الأركان.
في هذا العلم النظري والعملي قواعد وقوانين ومعايير صوتية، وآليات تدقيق الجودة، ومنهجية واضحة وموثقة، وقابلة للتطوير والتحسين.
